ابراهيم ابراهيم بركات
172
النحو العربي
لم أعملت هذه الأحرف النصب والرفع ؟ لقد أجهد النحاة أنفسهم لتعليل عمل هذه الأحرف النصب في المبتدأ والرفع في الخبر ، وليس لهم إلا علة واحدة ، وهي أن هذه الأحرف أشبهت الفعل التامّ المتعدى المتصرف ، ولما كان هذا الفعل يرفع فاعلا وينصب مفعولا به ؛ نصبت هذه الأحرف ورفعت ، لكنهم قدموا منصوبها - وهو المبتدأ - على المرفوع بها - وهو الخبر - للتفرقة بين ما يعمل بالأصل وهو الفعل ، وما يعمل بحقّ الشبه ، وهو هذه الأحرف ، فهي فرع ، والأفعال أصل . وقد أشبهت الفعل من عدة أوجه : أحدها : أن معانيها معاني الأفعال ، فمعنى ( إن وأن ) : أؤكد أو أحقق ، ومعنى ( كأن ) : أشبه ، ومعنى ( لكن ) : أستدرك ، ومعنى ( لعل ) أرجو ، ومعنى ( ليت ) أتمنى ، فمعانيها من التوكيد والتشبيه والاستدراك والترجى والتمني ، كما أن ( ضرب ) من الضرب ، و ( تفهم ) من التفهم ، و ( استخرج ) من الاستخراج . والثاني : أنها مبنية على الفتح ، كما أن الفعل الماضي مبنىّ على الفتح . والثالث : أنها تلزم الأسماء ، كما أن الفعل يلزمها ، وهي تطلب اسمين ، كما أن الفعل كذلك . والرابع : أن ضمائر النصب تتصل بها اتصالها بالأفعال ، نحو : إني ، وأنك ، ولكنه ، كما تقول : أفهمنى ، وأعلمتك ، وزرته ، وأكدته ، واستدركته . والخامس : أن نون الوقاية تتصل بها اتصالها بالأفعال ، فتقول : ليتني ، ولعلنى ، كما تقول : تمنانى ، ورجاني ، وأسمعنى . لهذا نصبت هذه الأحرف ورفعت كالفعل . الأحرف الناسخة « 1 » ذكرنا أن النحاة سمّوها بالناسخة نظرا لأثرها الإعرابى . وأن لكلّ حرف معنى يؤديه في العلاقة بين الخبر والمبتدأ الذي يصبح اسمها ، ونذكر ذلك بالتفصيل مع كلّ حرف نذكره في هذا القسم .
--> ( 1 ) ينظر : شرح عيون الإعراب 111 / أسرار العربية 148 .